تاريخ مسلسل المؤمرات على فلسطين
تاريخ مسلسل المؤمرات على فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم انفروا خفافا وثقالا وجاهدو ا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) أيها المسلمون : فإنه لم يعد خافيا عنكم الوضع الذي آلت إليه المنطقة منذ أنشئ وطن لليهود في فلسطين المباركة على إثر وعد بلفور وبسند مباشر من بريطانيا في ذلك الوقت ، كما لم يعد خافيا عنكم كيف تحول هذا الوطن بغفلة شديدة من أهل المنطقة إلى دولة بدعم كامل من رأس الكفر أمريكا ، وأنه لم يعد خافيا عنكم الأساليب الخبيثة التي اتبعت لمحاولة دمج هذا الكيان المسخ في المنطقة ليكون جسرا للدول الكافرة ورأس حربة يحول دون نهضة المسلمين ودون إقامة دولة لهم تكون سدا منيعا في وجه طغيانهم وتجبُّرِهم بالعالم ودوله وشعوبه ، كما لم يعد خافيا تآمر الحكام والمنظمات في سبيل ترويض المسلمين في المنطقة بضرب فكرة إخراج اليهود من فلسطين بالقتال ، بعد أن أُدخلت جيوش هذه الأنظمة ومقاتلي هذه المنظمات المعارك المصطنعة مع هذا الكيان المسخ ، التي ثبتت وجوده وحرست حدوده ، وقضت على كل صوت يعمل لإخراج اليهود بالجهاد وبذل التضحيات ، وبعد اتباعها لكافة الأساليب لإرغام أهل المنطقة على القبول بدولة لليهود في بقعة من أقدس بلاد الإسلام وبعد أن أقامت معها معاهدات الصلح والخيانة وأحاطتها بالحماية الكاملة طيلة أكثر من خمسين عاما لتضفي على وجودها شرعية الاغتصاب وشرعية الاحتلال وشرعية البقاء والاستمرار بوصفها دولة من دول المنطقة وبوصف اليهود شعبا من شعوب المنطقة . نعم .. لم يعد كل ذلك خافيا عنكم ، وهاأنتم تشهدون القضية التي قاتل واستشهد من أجلها الآلاف يتآمر عليها هؤلاء الحكام وهذه الأنظمة من أجل إنهائها وإسدال الستار عليها لتكون فلسطين ملكا لليهود يشهد بذلك العالم كله وعارا أبديا يلحق بالأمة الإسلامية إلى يوم الدين.. إن قضية فلسطين فوق كونها قضية ارض إسلامية وقعت تحت احتلال الكفار المغتصبين ، فإنها قضية ارض تحوي من المقدسات ما يجعل الدفاع عنها ، دفاعا عن أقدس المقدسات ، وهو في الذروة من فروض الجهاد فوق كونه دفاعا عن بلاد الإسلام وحماية لذمار المسلمين . ولهذا خاض المسلمون الحروب ضد الصليبيين لتحرير المسجد الأقصى وما حوله ، واستمروا فيها مستبسلين في معارك متتالية حتى أنقذوها من براثن المعتدين وطهروها من رجس الكفار ومن دنس الصليبيين . وهذه الحقيقة تدركها الدول الغربية كلها ، وتدركها أمريكا إدراكا عميقا ، فبعد إنشاء الكيان اليهودي سنة 1948وأمريكا تعمل بإصرار لتركيز هذا الكيان في المنطقة ليكتسب شرعية لوجوده بحيث تضمن له البقاء وسط أهل هذه المنطقة بحماية من دولها وذلك بأن تجعل الفلسطينيين عازلا بينه وبين سائر الدول العربية في المشرق ، ولتحقيق هذه الغاية الخبيثة عمدت بناء على قرار التقسيم الصادر سنة 1947م إلى استصدار قرارات من هيئة الأمم لتصفية قضية فلسطين فكان قرارا 242 و338 القاضيان بالانسحاب من أراض تم الاستيلاء عليها بالقوة من قبل إسرائيل ، لإقامة دولة للفلسطينيين عليها ، وحل مشكلة اللاجئين حلا مرضيا بالاعتراف بحق العودة والتعويض ، وسلكت للوصول إلى هذا الحل أخبث الطرق ، فقد أقنعت البلاد العربية بالتهديد والوعيد ، بالإغراء والملاينة بأن إسرائيل وجدت لتبقى ، وأنهم أعجز من أن يزيلوها فيجب أن يُسَلِّموا بوجودها ، وأنهم حتى يتخلصوا من المسؤولية ما عليهم إلا أن يرفعوا أيديهم عن القضية وتحويلها لأهل فلسطين يتحملون مسؤوليتها ، واتخذت من مشكلة اللاجئين الوسيلة العملية لتنفيذ هذا الحل وجعلت الإغراء بالمال وبالحكم والسلطان في الضفة الغربية وقطاع غزة الطعم الذي تجذب إليه الفلسطينيين للقبول بالكيان الفلسطيني والعمل له ، كما جعلت من اليأس من الدول العربية المسوغ لأهل فلسطين ليتولوا هم حلها والدفاع عنها ، وأحاطت هذا كله بدعاية خبيثة مؤثرة سخرت لها الصحف والإذاعات في جميع الدول العربية بألفاظ إنشائية مضللة بأن قضية فلسطين ليس لها إلا أهلها ، وأنهم يجب أن يسلكوا بها مسلك أهل الجزائر ،يقفون أمام اليهود كما وقف الجزائريون أمام فرنسا ، وتؤيدهم الدول العربية بالمال والسلاح والأعمال السياسية ، وأن الكيان الفلسطيني هو خطوة لاسترجاع القسم المغتصب من فلسطين ، وهكذا ببث التضليلات جرت المحاولات لإيجاد الرأي العام لهذا الحل والتمهيد للقيام بتنفيذه ، ولم تقتصر أمريكا على ذلك بل انتقلت في مشروعها من دور العرض والمناقشة إلى دور السير والتنفيذ منذ أواخر الخمسينات ، وسارت فيه خطوات عملية ، كان من أبرزها إنشاء ما يسمى بمنظمة التحرير الفلسطينية عندما أوعزت بذلك إلى عميلها جمال عبد الناصر سنة 1964م ، ثم دفعت بالمنظمة لخوض ( الكفاح الثوري ) الذي ثبت كيان اليهود في المنطقة ، كما عملت على إغراء وإقناع ياسر عرفات بدخول المنظمة ، فتحول عن بريطانيا وسار في ركاب أمريكا منذ أواخر الستينات ، وبذلك بدأ يرتفع شأن منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن استقطبت معظم الفصائل الفلسطينية وقامت ببعض الأعمال المثيرة التي أخذ بريقها بأبصار الكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية ، وبذلك أصبح الطريق معبدا تماما للاعتراف بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب في فلسطين ، فكان مؤتمر الرباط سنة 1974م الذي تمخض عنه الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للفلسطينيين ، لتكون ممثلا للفلسطينيين في المطالبة بالدولة الفلسطينية ، ومنذ ذلك الحين عملت أمريكا على تهيئة المناخ السياسي في المنطقة للقبول بإفرازات الحل النهائي والتصفية النهائية للقضية الفلسطينية ، فعملت على إخراج مصر من المعركة مبكراً بعقدها اتفاقية سلام مع إسرائيل سنة 1978 أيام الخائن أنور السادات بعد أن حاولت ذلك مراراً عقب حرب 67 أيام جمال عبد الناصر ، الذي لم يجرؤ على السير في ذلك ، ثم كان قرار فك الارتباط الإداريّ والقانونيّ بين الأردن والضفة الغربية سنة 1988م ، ثم أخرجت العراق بخيانة حكامه من المعركة بعد فرض الحصار الرهيب عليه ، وبذلك أصبحت قضية فلسطين قضية أهلها أولا ، ثم قضية العرب بوصفهم عربا لا بوصفهم مسلمين ، فكان ذلك كله مسهلاً لأمريكا أن تعقد مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991م ، وما تلاه من اتفاقيات أوسلو 1993م ، وطابا ووادي عربة 1994م ، والخليل 1996م ، وواي بلانتيشن وشرم الشيخ ، وبذلك اتضح مخطط أمريكا لتصفية القضية ، فهي بعد أن أخرجتها عن كونها قضية إسلامية إلى قضية عربية إسرائيلية ، عملت على تحويلها إلى نزاع بين الفلسطينيين واليهود ، مقدمة لحلها حلا تقبل به الأطراف المعنية ويمكنها من الإبقاء على إسرائيل كقاعدة للغرب في قلب بلاد المسلمين ، ثم حمايتها بإقامة كيانٍ فلسطينيٍ معترفٍ بها متفاهمٍ معها يعزلها عن سائر العرب والمسلمين ، وتدويل الأماكن المقدسة ، بحيث يُسمح للجميع الدخول إليها ، وجعلها منطقة دولية تحميها ضمانات دولية . هذه هي خطة أمريكا لتصفية قضية فلسطين ، بزرع كيان اليهود ليصبح كياناً طبيعياً في المنطقة ، وحتى يكون رأس حربة وجسراً لدول الكفر في بلاد المسلمين ، يحول دون رجوع الدولة الإسلامية مرة أخرى فتقضي بذلك على أي أمل لوحدة بلاد المسلمين وتبقيها مبعثرةً هزيلةً تابعةً لدول الكفر . ولذلك يجب أن يكون تفكير المسلمين السياسي وفي هذه القضية بالذات قضية فلسطين وتدويل الأماكن المقدسة على مستوى الصراع القائم بين الكفار المغتصبين ، وبين أهل البلاد المسلمين ، إذ هي قضية بلد جاء نص القرآن القطعي بقدسيته ، وجاءت السنة تقرنه بالمسجد الحرام ومسجد رسول الله لتؤكد أنه من أقدس المقدسات ، فوق ما جاء من آيات الجهاد في وجوب القتال للدفاع عنه لإنقاذه من يد الكفار المحاربين ، وأن يدركوا أيضاً أنها بالنسبة للغرب هي قضية اغتصاب لبلد من بلاد المسلمين ليكون قاعدة للغرب في حربه الإسلام ، فإدراكهم هذا يريهم بكل وضوح أن القضية ليست قضية فلسطينية ، ولا قضية عربية ، وإنما هي قضية إسلامية ليس غير، ، وأنها ليست قضية أهل فلسطين ولا قضية العرب ، وإنما هي قضية المسلمين وحتى تستكمل حلقات هذا المخطط الرهيب المرسوم لفلسطين عمدت أمريكا إلى تسريع تنفيذه حيث أطلقت مفاوضات الحل النهائي لمباشرة السير في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية الموسَّعة وترسيم الحدود والانسحاب العسكري وما يتعلق به من ترتيبات أمنية ووضع المستوطنات وتوطين وتأهيل اللاجئين الفلسطينيين ، وعقدت لذلك سلسلة من جولات المفاوضات في واشنطن وإيلات واستوكهولم وأخيراً قمة منتجع كامب ديفيد الذي تم فيها بحث معظم المشاكل العالقة ، وتم بعدها الانتقال للعمل على التهيئة للقبول بما سينتج عنه من اتفاقات سواء ما كان على صعيد العرب المسلمين أو على صعيد الإسرائيليين . ولما كان موضوع المقدسات هو الجزء العالق في المفاوضات كان لا بد من العمل على التهيئة لقبول الأطراف المعنية بالحل الذي وضعته واشنطن لها ، وذلك عن طريق إظهار رفض الطرفين سيادة الآخر عليها وعدم التشبث بسيادته عليها لتؤول في النهاية إلى تدويلها ، وعلى هذا الأساس عُمد إلى تفجير شرارة ما أطلق عليه انتفاضة الأقصى بزيارة شارون للحرم القدسي الذي انفجرت المنطقة على إثرها في أعظم مواجهات تشهدها فلسطين ، بل والمنطقة بأسرها أيضا ،
|