نقض علم الاجتماع وعلوم التربية وعلم النفس
وجود إكبار عام لبعض المعارف الثقافية واعتبارها علوماً عالمية، وذلك كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم التربية، فإن الناس يعتبرون هذه المعارف علوماً، وأن الحقائق التي جاءت بها هي نتيجة تجارب، ويحملون لها إكباراً عاماً، ويأخذون ما تأتي به قضايا مسلّمة يحكّمونها في أمور الحياة وهي تعلَّم في مدارسنا وجامعاتنا كعلوم، ونطبقها في الحياة ونستعين بها في أمور الحياة، ولذلك يُستشهد بما قاله علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء التربية أكثر مما يُستشهد بالقرآن والحديث، ولهذا وُجدت عندنا أفكار ووجهات نظر خاطئة من جراء تعلم هذه العلوم، من جراء إكبارها، ومن جراء تحكيمها في أمورنا في الحياة. وصار من الصعوبة بمكان أن يُقبل القول الذي يخالفها، وهي في جملتها تؤدي إلى فصل الدين عن الحياة، وتؤدي إلى محاربة قيام الدولة الإسلامية.
والحقيقة أن هذه المعارف هي ثقافة وليست علماً، لأنها تأتي عن طريق الملاحظة والاستنباط، ولا توجَد فيها تجارب. وتطبيقها على الناس لا يعتبر تجارب، وإنما هو ملاحظات متكررة على أشخاص مختلفين، وفي ظروف وأوضاع مختلفة، فهي ملاحظة واستنباط وليست تجربة كتجربة المختبر حين يجرّب فيه الشيء أو يجرّب عليه، ولذلك تدخل في الثقافة لا في العلم، وفوق ذلك فهي ظنية قابلة للخطأ والصواب، على أنها مبنية على أساس مغلوط، لأنها مبنية على النظرة للفرد والمجتمع، فهي مبنية على النظرة الفردية، ولهذا تنتقل نظرتها من الفرد إلى الأسرة، إلى الجماعة إلى المجتمع، على اعتبار أن المجتمع مكون من أفراد، ولهذا تعتبر المجتمعات منفصلة، وأن ما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر. والحقيقة أن المجتمع مكوّن من الإنسان والأفكار والمشاعر والأنظمة، وأن ما يصلح للإنسان من أفكار ومعالجات في مكان ما يصلح للإنسان في كل مكان، ويحوّل المجتمعات المتعددة إلى مجتمع واحد تصلحه الأفكار والمشاعر والأنظمة. فخطأ النظرة إلى المجتمع ترتب عليها خطأ النظريات التربوية في علوم التربية، وخطأ النظريات في علم الاجتماع، لأنها مبنية على هذه النظرة، كما أنها مبنية على علم النفس وهو في جملته خطأ من وجهين: أولاً لأنه يعتبر الدماغ مقسماً إلى مناطق، وأن كل منطقة لها قابلية خاصة، وأن في بعض الأدمغة قابليات ليست موجودة في أدمغة أخرى، مع أن الحقيقة أن الدماغ واحد وأن تفاوت الأفكار التي تنتج واختلافها تابع لتفاوت المحسوسات والمعلومات السابقة واختلافها، وأنه لا توجد في دماغ قابلية لا توجد في الآخر بل جميع الأدمغة فيها قابلية الفكر في كل شيء متى توفر الواقع المحسوس والحواس والمعلومات السابقة للدماغ، وإنما تتفاوت الأدمغة في قوة الربط، وفي قوة الإحساس، كما تتفاوت العيون في قوة الإبصار وضعفه، ولذلك يمكن إعطاء كل فرد أي معلومات، وفيه قابلية لهضمها، ولذلك لا أساس لما جاء في علم النفس من القابليات، وثانياً يَعتبر علم النفس الغرائز كثيرة منها ما اكتُشف ومنها ما لم يُكتشف، وبنى العلماء على هذا المفهوم للغرائز نظريات خاطئة. والحقيقة أن المشاهَد بالحس مِن تتبُّع الرجع أو رد الفعل أن الإنسان فيه طاقة حيوية لها مظهران، أحدهما يتطلب الإشباع الحتمي وإذا لم يُشبع يموت الإنسان، والثاني يتطلب الإشباع وإذا لم يُشبع يبقى الإنسان حياً ولكنه يكون قلقاً من عدم الإشباع. والأول هو الحاجات العضوية كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، والثاني الغرائز وهي غريزة التدين وغريزة النوع وغريزة البقاء، وهذه الغرائز هي الشعور بالعجز، والشعور ببقاء النوع، والشعور ببقاء الذات، ولا يوجد غير ذلك، وما عدا هذه الغرائز الثلاث هي مظاهر للغرائز كالخوف والسيادة والملكية مظاهر لغريزة البقاء، والتقديس والعبادة مظاهر لغريزة التدين، والأبوة والأخوة مظاهر لغريزة النوع. فاعتبار علم النفس للغرائز اعتباراً خاطئاً، واعتباره الدماغ اعتباراً خاطئاً، أدى إلى خطأ النظريات التي بنيت على أساسهما، وبالتالي أدى إلى خطأ علوم التربية التي تأثرت بعلم النفس.
وعليه فعلم الاجتماع وعلوم التربية وعلم النفس معارف ثقافية، وفيها ما يناقض الفكرة الإسلامية، وهي في جملتها خطأ، فبقاء الإكبار لها وتحكيمها يؤدي إلى إيجاد صعوبة تقف في وجه العمل في الدولة الإسلامية، ولذلك يجب أن يبين أنها معارف ثقافية وليست علوماً، وأنها ظنية وليست حقائق قطعية، وأنها مبنية على أسس خاطئة، ولذلك لا تحكّم في الحياة وإنما يحكّم الإسلام.
|