رد: إعجاز القرآن
ثم إن المدقق في ألفاظ القرآن وجمله يجد أنه يراعي عند وضع الحروف مع بعضها، الأصوات التي تحدث منها عند خروجها من مخارجها، فيجعل الحروف المتقاربة المخارج متقاربة الوضع في الكلمة أو الجملة. وإذا حصل تباعد بين مخارجها، فَصَل بينها بحرف يزيل وحشة الانتقال. وفي نفس الوقت يجعل حرفاً محبَّباً من مخرج خفيف على الأذن يتكرر كاللازمة في الموسيقى، فلا يقول "كالباعق المتدفق" وإنما يقول: (كصيّب)، ولا يقول: "الهُعْخع" وإنما يقول (سُندُس خُضر)، وإذا لزم أن يستعمل الحروف المتباعدة/ وَضَعها في المعنى الذي يليق بها ولا يؤدي المعنى غيرها مثل كلمة (ضيزى)، فإنه لا ينفع مكانها كلمة ظالمة ولا جائزة مع أن المعنى واحد. ومع هذه الدقة في الاستعمال، فإن الحرف الذي يجعله لازمة، يرِد في الآيات واضحاً في التردد، فآية الكرسي مثلاً ترددت اللام فيها ثلاثاً وعشرين مرة بشكل محبَّب يؤثر على الأذن حتى ترهف للسماع وللاستزادة من هذا السماع.
وهكذا تجد القرآن طرازاً خاصاً، وتجده ينزل كل معنى من المعاني في اللفظ الذي يليق به، والألفاظ التي حوله، والمعاني التي معه، ولا تجد ذلك يتخلف في أية آية من آياته. فكان إعجازه واضحاً في أسلوبه من حيث كونه طرازاً خاصاً من القول لا يشبه كلام البشر ولا يشبهه كلام البشر. ومن حيث إنزال المعاني في الألفاظ والجمل اللائقة بها، ومن حيث وقع ألفاظه على أسماع من يدرك بلاغتها ويتعمق في معانيها فيخشَع حتى يكاد يسجد لها, وعلى أسماع من لا يدرك ذلك فيأسره جرس هذه الألفاظ في نسق معجِز يخشع له السامع قسراً ولو لم يدرك معانيه. ولذلك كان معجزة وسيظل معجزة حتى قيام الساعة.
|